القدس المحتلة/ معتز شاهين:
تشهد مدينة القدس في الأيام الأخيرة تصعيدًا أمنيًا وعسكريًا لافتًا من قبل سلطات الاحتلال، يتمثل في تعزيز انتشار الشرطة والجيش، وإقامة الحواجز، وتشديد إجراءات التفتيش.
هذا الانتشار لا يُعد إجراءً أمنيًا عابرًا، بل يأتي ضمن سياسة ممنهجة تهدف إلى فرض واقع أمني جديد في المدينة، بالتزامن مع اقتراب شهر رمضان، وفق ما يرى مراقبون.
وأكد مختصون في شؤون القدس، أن الاحتلال يتعمّد تصعيد سياساته العسكرية والأمنية قبيل حلول الشهر الفضيل، في محاولة لتحويله من موسم عبادة وتواصل اجتماعي وروحي إلى موسم قمع وتوتر أمني.
وأجمع هؤلاء في أحاديث منفصلة مع صحيفة "الاستقلال" على أن هذا التصعيد يشكّل جزءًا من سياسة تهجير ممنهجة تستهدف الوجود الفلسطيني في المدينة، ولا يمكن اعتباره إجراءً أمنيًا ظرفيًا.
وشرعت سلطات الاحتلال خلال الأيام الأخيرة بتنفيذ إجراءات عسكرية وأمنية غير مسبوقة في مدينة القدس المحتلة، في إطار سياسة ممنهجة لعسكرة المدينة وتحويلها إلى معسكر مفتوح استعدادًا لشهر رمضان المبارك.
وشملت هذه الإجراءات نشر أعداد كبيرة من قوات الاحتلال الخاصة، بما في ذلك ما تُعرف بشرطة حرس الحدود، في أحياء القدس، ولا سيما في محيط المسجد الأقصى المبارك والبلدة القديمة. كما تزامن ذلك مع إقامة حواجز عسكرية ثابتة ومتنقلة، وشن حملة اعتقالات واسعة بحق المقدسيين، إضافة إلى عمليات تفتيش شاملة للمنازل والممتلكات.
"مواجهة رمضان"
الخبير في شؤون القدس، راسم عبيدات قال: إن الاحتلال يتعمّد تصعيد سياساته العسكرية والأمنية في مدينة القدس قبيل حلول شهر رمضان المبارك، في محاولة لتحويل الشهر الفضيل من موسم عبادة وتواصل اجتماعي وروحي إلى موسم قمع وتوتر أمني، بهدف منع أي مظاهر دينية أو جماهيرية في المسجد الأقصى المبارك.
وأضاف عبيدات في حديثه مع "الاستقلال" أن توقيت هذا التصعيد ليس صدفة، إذ اعتاد الاحتلال خلال السنوات الماضية على رفع منسوب القمع مع اقتراب شهر رمضان، خشية تحوّل المسجد الأقصى إلى مركز تعبئة شعبية وروحية، خاصة في ظل الأوضاع السياسية المتفجرة.
وأكد أن الاحتلال يعمل على استباق الشهر الفضيل بفرض قيود مشددة وبث حالة من الخوف والإرهاب النفسي في صفوف المقدسيين.
وأوضح عبيدات، أن الاحتلال يستخدم القوة العسكرية كأداة لفرض معادلة جديدة في الأقصى، قوامها تكريس الوجود الاستيطاني اليومي مقابل تقييد وجود المسلمين، لا سيما خلال شهر رمضان، عبر منع الوصول، أو تحديد أعداد المصلين، أو فرض أعمار معيّنة، وهي سياسات تهدف في جوهرها إلى تفريغ المسجد من رواده.
ويأتي هذا التصعيد الأمني مترافقًا مع ازدياد خطير في وتيرة اقتحامات المستوطنين اليومية للمسجد الأقصى المبارك، والتي تُنفَّذ تحت حماية مشددة من قوات الاحتلال.
ويرى عبيدات أن هذه الإجراءات العسكرية تشكّل غطاءً أمنيًا مباشرًا لتسهيل الاقتحامات، وتأمين المستوطنين أثناء أدائهم طقوسًا تلمودية استفزازية داخل باحات المسجد، في انتهاك صارخ للوضع التاريخي والقانوني القائم.
وحذّر الخبير المقدسي من أن هذا التصعيد يجري في ظل صمت دولي مخزٍ، يشجّع دولة الاحتلال على المضي قدمًا في سياساتها العدوانية دون أي مساءلة، ما ينذر بانفجار الأوضاع في القدس خلال شهر رمضان إذا استمرت هذه الانتهاكات بحق المدينة المقدسة وأهلها ومقدساتها.
"تهجير ممنهج"
بدوره، أوضح عضو لجنة الدفاع عن أراضي القدس والمقدسات، صالح الشويكي، أن التصعيد العسكري والأمني الإسرائيلي المتزايد في مدينة القدس يأتي في سياق الاستعدادات المسبقة لفرض واقع جديد مع اقتراب شهر رمضان المبارك، ويشكّل جزءًا من سياسة تهجير ممنهجة تستهدف الوجود الفلسطيني في المدينة، ولا يمكن اعتباره إجراءً أمنيًا عابرًا أو ظرفيًا.
وقال الشويكي لـ "الاستقلال" إن سلطات الاحتلال تتعمد في كل عام، ومع اقتراب شهر رمضان، تكثيف انتشارها العسكري وإقامة الحواجز وتشديد الإجراءات الأمنية، بهدف التضييق على المقدسيين والحد من حركتهم، وتهيئة الأجواء لاقتحامات المستوطنين اليومية للمسجد الأقصى، على حساب حرية العبادة وحقوق السكان الأصليين.
وأشار إلى أن الشارع المقدسي يشهد تصعيدًا واسعًا في مختلف مناحي الحياة، في ظل حكومة إسرائيلية يمينية متطرفة، تمارس انتهاكات متواصلة تطال القوانين الدولية والأعراف الإنسانية، وتسعى إلى إخراج المقدسيين من مدينتهم عبر أدوات الضغط الإداري والاقتصادي والمعيشي.
وبيّن الشويكي، أن من أبرز هذه السياسات ما يتعلق بملف الهويات، حيث صدرت قرارات تحرم المواطنين المقدسيين الذين لم يتمكنوا من تجديد بطاقاتهم من التعامل مع المؤسسات الحكومية والبنكية، في وقت تفرض فيه سلطات الاحتلال إجراءات معقدة ومتعمّدة، تشمل طلب وثائق ملكية المنازل، والضرائب، وفواتير الخدمات الأساسية، إضافة إلى أوراق مدرسية للأبناء، ما يشكل عبئًا خانقًا على العائلات المقدسية.
كما لفت إلى استمرار أوامر هدم المنازل ومصادرتها، خاصة في أحياء جنوب المسجد الأقصى مثل حي سلوان، موضحًا أن العديد من هذه المنازل قائمة منذ عشرات السنين، وبعضها شُيّد قبل عام 1967، ورغم ذلك تواجه قرارات هدم ومصادرة بحجج إدارية وقانونية.
وعن قدرة المقدسيين على كسر هذه المعادلة الأمنية، أكد الشويكي أن الحواجز العسكرية والإجراءات القمعية لم تفلح في كسر إرادة أهل القدس، مشددًا على أن المقدسيين ماضون في الصمود والرباط، لا سيما مع قدوم شهر رمضان، رغم كل ما يرافقه من مضايقات وضغوط.
خبراء مقدسيون: الاحتلال يستبق رمضان بسياسة عسكرة وتهجير
تقارير وحوارات


التعليقات : 0